- مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
- كتاب : المختصر في أصول الحديث
- المؤلف : الشريف الجرجاني
- بسم اللَّه الرحمن الرحيم
- الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله أجمعين فهذا مختصر جامع لمعرفة علم الحديث، في بيان أصوله ومصطلحاته.
- المتن: هو ألفاظ الحديث التي تتقوم بها المعاني.
- والحديث: عم من أن يكون قول الرسول صلى اللَّه عليه وسلم أو الصحابي أو التابعين، وفعلهم، وتقريرهم.
- والسند: إخبار عن طريق المتن.
- والإسناد: هو رفع الحديث إلى قائله، وهما متقاربان في المعنى، اعتماد الحفاظ في صحة الحديث وضعفه عليه.
- والخبر المتواتر: ما بلغت رواته في الكثرة مبلغاً أحالت العادة تواطأهم على الكذب، ويدوم هذا فيكون أوله كآخره، ووسطه كطرفيه، كالقرآن، وكالصلوات الخمس.
- قال ابن الصلاح: من سأل عن إبراز مثال لذلك في الحديث أعياه طلبه، وحديث: (إنما الأعمال بالنيات) ليس من ذلك وإن نقله عدد التواتر وأكثر، لأن ذلك طرأ عليه في وسط إسناده.
- نعم.. حديث: (من كذب علَيَّ مُتعمداً فَليَتَبوَأ مقعدهُ من النار) نقله من الصحابة: قيل أربعون، وقيل اثنان وستون وفيهم العشرة المبشَّرة، ولم يزل العدد على التوالي في ازدياد.
- والآحاد: ما لم ينته إليه التواتر، وهو مستفيض وغيره.
- قال ابن الجوزي: حصر الأحاديث يَبعُدُ أمانَةً غير أن جماعة بالغوا فى تَتَبعها وحصروها: قال الإمام أحمد: صح سبعمائة ألف وكسر (700.000 وكسر)، وقال: وقد جمعت في المسند أحاديث انتخبتها من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألف(750.000) فما اختلفتم فيه فارجعوا إليه، وما لم تجدوا فيه فليس بحجة.
- والمراد بهذه الأعداد: الطرق لا المتون.
- المقاصد: اعلم أن متن الحديث نفسه لا يدخل في الاعتبار إلا نادرا بل يكتسب صفة من القوة والضعف، وبين بين بحسب أوصاف الرواة من العدالة والضبط والحفظ وخلافها، وبين ذلك وبين خلافه أو بحسب الإسناد من الاتصال والانقطاع والإرسال ونحوها والاضطراب.
- فالحديث على هذا ينقسم إلى صحيح وحسن وضعيف، هذا إذا نظر إلى المتن، وأما إذا نظر إلى أوصاف الرواة فقيل هو ثقة عدل ضابط، أو غير ثقة أو متهم أو مجهول أو كذوب أو نحو ذلك، فيكون البحث عن الجرح والتعديل، وإذا نظر إلى كيفية أخذهم وطرق تحملهم الحديث كان البحث عن أوصاف الطالب.
- وإذا بحث عن أسمائهم ونسبهم كان البحث عن تعيينهم وتشخيص ذواتهم، فالمقاصد مرتبة على أربعة أبواب:
- الباب الأول
- في أقسام الحديث وأنواعه وفيه ثلاثة فصول:
- الفصل الأول
- في الصحيح وهو ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، وسلم عن شذوذ وعلة.
- ونعني بالمتصل ما لم يكن مقطوعا بأي وجه كان، وبالعدل: من لم يكن مستور العدالة ولا مجروحا، وبالضابط من يكون حافظاً متيقظاً، وبالشذوذ ما يرويه الثقة مخالفا لرواية الناس، وبالعلَّة، ما فيه أسباب خفيَّة غامضة قادحة.
- فائدة: وتتفاوت درجات الصحيح بحسب قوة شروطه وضعفها، وأوَّل من صنف في الصحيح المجرد البخاري، ثم أبو الحسين مسلم، وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب اللَّه العزيز.
- وأما قول الشافعي رضي اللَّه عنه: ما أعلم شيئا بعد كتاب اللَّه أصح من موطأ مالك فقبل وجود الكتابين.
- وأعلى أقسام الصحيح ما اتفقا عليه، ثم انفرد به البخاري، ثم انفرد به مسلم، ثم ما كان على شرطهما وإن لم يخرجاه، ثم ما كان على شرط البخاري، ثم ما كان على شرط مسلم، ثم ما صححه غيرهما.
- فهذه سبعة أقسام.
- وما حذف سنده فيهما - وهو كثير في تراجم البخاري، قليل جداً في كتاب صحيح مسلم - فما كان بصيغة الجزم نحو: (قال فلان) و (فعل) و (أمر) و (روى) و (ذكر) معروفاً فهو حكم بصحته، وما روي من ذلك مجهولا فليس حكما بصحته، ولكن إيراده في كتاب الصحيح مشعر بصحة أصله، وأما قول الحاكم: اختيار البخاري ومسلم ألا يذكرا في كتابيهما إلا ما رواه الصحابي المشهور، عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، وله راويان ثقتان فأكثر، ثم يرويه عنه تابعي مشهور وله أيضا راويان ثقتان فأكثر، ثم كذلك في كل درجة؛ ففيه بحث. قال الشيخ محيى الدين النووي: ليس ذلك من شرطهما لإخراجهما أحاديث ليس لها إلا إسناد واحد: منها حديث: (إنما الأعمال بالنيات) ونظائره في الصحيحين كثيرة.
- قال ابن حبان: تفرَّد بحديث: (إنما الأعمال بالنيات) أهل المدينة، وليس عند أهل العراق، ولا عند أهل مكة، ولا الشام ولا مصر، وراويه هو يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه هكذا رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه مع اختلاف في الرواة بعد يحيى يعرف بالرجوع إلى هذه الصحاح الست.
- الفصل الثاني في الحَسَن
- قال الترمذي: هو ما لا يكون في إسناده مُتَّهم، ولا يكون شاذا، ويروى من غير وجه نحوه في المعنى.
- وقال الخطّابي: هو ما عُرِفَ مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث. فالمنقطع ونحوه مما لم يعرف مخرجه، وكذا المدلس إذا لم يبيَّن، وقال بعض المتأخرين: هو الذي فيه ضعف قريب محتمل ويصلح للعمل به.
- وقال ابن الصلاح: هو قسمان: أحدهما: ما لم تخل رجال إسناده عن مستور غير مغفل في روايته، وقد روي مثله أو نحوه من وجه آخر.
- والثاني: ما اشتهر راويه بالصدق والأمانة، وقصر عن درجة رجال الصحيح حفظاً وإتقاناً، بحيث لا يعد ما انفرد به منكراً، ولا بدَّ في القسمين من سلامتهما عن الشذوذ والتعليل، وقيل: ما ذكره بعض المتأخرين مبنى على أن معرفة الحسن موقوفة على معرفة الصحيح والضعيف، لأنه وسط بينهما، فقوله: (قريب) أي قريب مخرجه إلى الصحيح، محتمل كذبه لكون رجاله مستورين.
- والفرق بني حدَّي الصحيح والحسن، أن شرائط الصحيح معتبرة في حد الحسن، لكنَّ العدالة في الصحيح تنبغي أن تكون ظاهرة، والإتقان كاملاً. وليس ذلك شرطاً
- في الحسن ، ومن ثمة احتاج إلى قيد قولنا أن يروى من وجه مثله أو نحوه ليخبر به.
- فالضعيف هو الذي بَعُدَ عن مخرج الصحيح مخرجه، واحتمل الصدق والكذب أو لا يحتمل الصدق أصلا كالموضوع.
- وإنما سُمِّيَ حسناً لحسن الظنِّ براويه، ولو قيل: الحسن هو مسند من قرب من درجة الثقة أو مرسل ثقة، ويروى كلاهما من غير وجه وسلم عن شذوذ وعلَّة لكان أجمع الحدود وأضبطها وأبعدها عن التعقيد.
- ونعني بالمسند ما اتصل إسناده إلى منتهاه، وبالثقة: من جمع بين العدالة والضبط.
- والتنكير في ثقة للشيوخ كما سيأتي بيانه في نوع المرسل.
- والحسن حجَّة كالصحيح، ولذلك أُدرج في الصحيح، قال ابن الصلاح محيي السنَّة في المصابيح: تسمية السنن بالحسان تساهل لأن فيها ا لصحاح والحسان والضعاف.
- وقول الترمذي: حيث حسن صحيح يريد به أنه روي بإسنادين: أحدهما يقتضي الصحة والآخر الحُسن.
- أو المراد اللغوي، وهو ما تميل النفس إليه وتستحسنه، والحسن إذا روي من وجه آخر ترقَّى من الحسن إلى الصحيح لقوَّته من الجهتين فيعتضد أحدهما بالآخر، ونعني بالترقي أنه ملحق في القوة بالصحيح لا أنه عينه.
- وأما الضعيف فلكذب راويه وفسقه لا ينجبر بتعدد طرقه كما في حديث: (طلب العلم فريضة) قال البَيهَقي: هذا حديث مشهور بين الناس وإسناده ضعيف، وقد رُوِيَ من أوجه كثيرة كلها ضعيف.
- الفصل الثالث
- في الضعيف هو ما لا يجتمع فيه شروط الصحيح والحسن، وتتفاوت درجاته في الضعف بحسب بُعده من شروط الصحة، ويجوز عند العلماء التساهل في أسانيد الضعيف دون الموضوع من غير بيان ضعفه في المواعظ والقَصَص وفضائل الأعمال لا في صفات اللَّه تعالى وأحكام الحلال والحرام.
- قيل: كان من مذهب النَسائي أن يُخرِج الحديث عن كُلِّ من لم يُجمع على تركه، وأبو داود كان يأخذه مأخذه، ويخرج الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره ويرجِّحُه على رأي الرجال، عن الشعبيِّ ما حدَّثك عن النبيِّ صلى اللَّه عليه وسلم فخذ به، وما قالوه برأيهم فألقه في الحش، وقال الشعبي: الرأي بمنزلة الميتة إذا اضطررت إليها أكلتها.
- وروي عن الشافعي: مهما قلت من قول أو أصَّلت من أصل فيه عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم خلاف ما قلت، فالقول ما قاله صلى اللَّه عليه وسلم وهو قولى.. يردده..
- وهاهنا عدَّة عبارات منها: ما تشترك فيه الأقسام الثلاثة، أعني: الصحيح والحسن والضعيف، ومنها: ما يختص بالضعيف.
- المسند فمن الأول المسند: هو ما اتصل سنده مرفوعا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم.
- المتصل والمتَّصل: هو ما اتَّصل سنده سواء كان مرفوعا إليه صلى اللَّه عليه وسلم أو موقوفا.
- المرفوع
- والمرفوع: هو ما أضيف إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم خاصة من قول أو فعل أو تقرير سواء كان متصلاً أو منقطعاً.
- فالمتصل قد يكون مرفوعاً وغير مرفوع، والمرفوع قد يكون متصلا وغير متصل، والمُسند مرفوع متصل.
- المُعَنعَن
- و
- المعنعن : هو ما يقال في سنده: فلان عن فلان، والصحيح أنَّه متصل إذا أمكن اللقاء مع البراءة من التدليس، وقد أُودع في الصحيحين.
- قال ابن الصلاح: كَثُر في عصرنا وما قاربه استعمال كلمة (عن) في الإجازة، وإذا قيل: فلان عن رجل عن فلان، فالأقرب أنه منقطع وليس بمرسل.
- المُعَلَّق
- والمعلق: مأخوذ من مبدأ إسناده واحدا فأكثر، فاعلم أن الحذف إما أن يكون في أوَّل الإسناد وهو
- المعلق ، أو في وسطه وهو المنقطع، أو في آخره وهو المرسل والبخاري أكثر من هذا النوع في صحيحه، وليس بخارج من الصحيح، لكون هذا الحديث معروفا من جهة الثقات الذين عُلِّق الحديث عنهم، أو لكونه ذكره متصلا في موضوع آخر من كتابه.
- الإفراد والإفراد: إما فرد عن جميع الرواة - جهة - نحو: تفرد به أهل مكَّة فلا يَضعُف إلّا أن يراد به تفرد واحد منهم.
- المُدرج
- و
- المدرج : هو ما أُدرج في الحديث من كلام بعض الرواة، فَيُظَنُّ أنه من الحديث أو أدرج متنان بإسنادين كرواية سعيد بن أبى مريم: (لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تنافسوا) أدرج ابن أبى مريم فيه قوله: (ولا تنافسوا) من متن آخر أو عند الراوي طرف من متن واحد بسند شيخ هو غير سند المتن فيرويهما عنه بسند واحد، فيصير الإسنادان إسناداً واحداً.
- أو يسمع حديثاً واحداً من جماعة مختلفين في سنده أو متنه، فَيُدرج روايتهم على الاتفاق ولا يذكر الاختلاف.
- وتَعَمُّد كل واحد من تلك الثلاثة حرام.
- المشهور والمشهور: ما شاع عند أهل الحديث خاصة، أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم (قنت شهراً يدعو على جماعة)، أو اشتهر عندهم وعند غيرهم نحو: (الأعمال بالنيّات) أو عند غيرهم، قال الإمام أحمد بن حنبل: قوله صلى اللَّه عليه وسلم: (للسائل حق وإن جاء على فرس، ويوم نحركم يوم صومكم) يدوران في الأسواق ولا أصل لهما في الاعتبار.
- الغريب والغريب: العزيز؛ قيل: الغريب: كحديث الزُهري وأشباهه ممن يُجمع حديثه بعدالته وضبطه إذا تفرد عنهم بالحديث رجل يسمى غريباً، فإن رواه عنهم اثنان أو ثلاثة يسمى عزيزاً، وإن رواه عنهم جماعة يسمى مشهوراً.
- والأفراد المضافة إلى البلدان ليست بغريبة، والغريب إما صحيح كالأفراد المخرَّجة في الصحيح، أو غير صحيح وهو الأغلب.
- والغريب أيضا إما غريب متناً وإسناداً، وهو ما تفرَّد برواية متنه واحد أو إسناداً لا متناً، كحديث يعرف متنه عن جماعة من الصحابة إذا تفرَّد واحدٌ بروايته عن صحابي آخر، ومنه قول الترمذي: غريب من هذا الوجه، ولا يوجد ما هو غريب متناً لا إسناداً إلا إذا اشتهر الحديث الفرد فرواه عمن تفرد به جماعة كثيرة فإنه يصير غريباً مشهوراً.
- وأما حديث: (إنما الأعمال بالنيات) فإن إسناده متَّصف بالغرابة في طرَفه الأوَّل متصف بالشهرة في طرفه الآخر.
- المُصَحَّف
- قد يكون في الراوي كحديث شعبة، عن العوام بن مراجم - بالراء والجيم - صحَّفه يحيى بن معين فقال: مزاحم بالزاى والحاء المهملة، وقد يكون في الحديث كقوله صلى اللَّه عليه وسلم: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال) صحفه بعضهم فقال (شيئاً) بالشين المعجمة.
- المسلسل والمسلسل: هو ما تتابع فيه رجال الإسناد إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عند روايته على حالة واحدة، إما في الراوي قولا نحو: سمعت فلانا يقول: سمعت فلانا يقول.. إلى المنتهى.. أو أخبرنا فلان واللَّه قال: أخبرنا فلان واللَّه .. إلى المنتهى..
- أو فعلاً: كحديث التشبيك باليد، أو قولاً وفعلاً كما في حديث: (اللهُمَّ أعنّي على شكرك وذكرك وحسن عبادتك).
- وفي رواية أبي داود وأحمد والنَسائي: قال الراوي: أخذ صلى اللَّه عليه وسلم بيدي فقال صلى اللَّه عليه وسلم: إنّي لأُحبك فقل: اللهم أعنّى.. إلى آخره. وإما على صفة: كحديث الفقهاء فقيه عن فقيه.. وأما في الرواية: كالمسلسل باتفاق أسماء الرواة، وأسماء آبائهم، أو كناهم، أو أنسابهم أو بلدانهم.
- قال الإمام النووي رحمه اللَّه: وأنا أروي ثلاثة أحاديث مسلسلة بالدمشقيين.
- الاعتبار والاعتبار: هو النظر في حال الحديث، هل تفرَّد به راويه أو لا، وهل هو معروف أو لا.
- والضرب الثاني ما يختص بالضعيف
- الموقوف وهو مطلقاً ما رُوِيَ عن الصحابي من قول أو فعل، متصلاً كان أو منقطعاً، وهو ليس بحجَّة على الأصح، وقد يستعمل في غير الصحابي مقيداً نحو وقفه مُعَمَّر على همّام، ووقفه مالك على نافع، وقول الصحابي كنا نفعله في زمن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنَّه مرفوع، لأن الظاهر الاطلاع والتقرير، وكذا كان أصحابه يقرعون بابه بالأظافير مرفوع في المعنى، وتفسير الصحابي موقوف، وما كان من قبيل بيان سبب النزول كقول جابر: كانت اليهود تقول كذا، فأنزل اللَّه تعالى كذا ونحوه مرفوع.
- المقطوع المقطوع: ما جاء عن التابعين من أقوالهم وأفعالهم موقوفا عليهم، وليس بحجة.
- المرسل المرسل: هو قول التابعي: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كذا، أو فعل كذا، أو قرر كذا، وهو المعروف في الفقه وأصوله.
- المنقطع المُنقطع: هو ما لم يتصل إسناده بأي وجه كان، سواء تُرِك الراوي من أول الإسناد أو وسطه أو آخره، إلا أن الغالب استعماله فيمن دون التابعي عن الصحابي كمالك عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما.
- المعضل المعضل: بفتح الضاد وهو ما سقط من سنده اثنان فصاعداً؛ كقول مالك: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، وقول الشافعي رحمه اللَّه: قال ابن عمر كذا.
- الشاذ والمنكر الشاذ والمنكر: قال الشافعي: الشاذ ما رواه الثقة مخالفاً لما رواه الناس، قال ابن الصلاح في الشاذ تفصيل: فما خالف مفرده أحفظ منه وأضبط فشاذ مردود، وإن لم يخالف وهو عدل ضابط فصحيح، وإن رواه غير ضابط لكن لا يبعد عن درجة الضابط فحسن، وإن بعد فمنكر.
- ويفهم من قوله: أحفظ وأضبط على صيغة التفضيل أن المخالف إن كان مثله لا يكون مردوداً، وقد عُلِمَ من هذا التقسيم أن المنكر ما هو.
- المعَلَّل
- المعلل : ما فيه أسباب خفية غامضة قادحة، والظاهر السلامة، ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له مع قرائن تنبه العارف على إرسال في الموصول، أو تحقق وقف في المرفوع أو دخول حديث أو وهم واهم بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به، فيتوقف، وكل ذلك مانع عن الحكم بصحَّة ما وجد فيه ذلك، وحديث يعلى بن عبيد، عن الثوري، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: (البيِّعان بالخيار) إسناده متصل من العدل الضابط وهو معلَّل والمتن صحيح لأن عمرو بن دينار وضع موضع أخيه عبد اللَّه بن دينار، هكذا رواه الأئمة من أصحاب الثوري عنه فَوَهِمَ يعلى.
- وقد يُطلق اسم العلَّة على الكذب والغفلة وسوء الحفظ وغيرها، وأطلق بعضهم العلة على مخالفة لا تقدح، كإرسال ما وصله الثقة الضابط حتى قال: من الصحيح ما هو صحيح معلل، كما قال آخر: من الصحيح ما هو شاذ ويدخل في هذا حديث يعلى بن عبيد: (البَيِّعان بالخيار).
- المدلَّس
- المدلس : ما أخفي عيبه إما في الإسناد وهو أن يروي عمن لقيه، أو عاصر ما لم يسمعه منه على سبيل يوهم أنه سمعه منه، فمن حقه أن لا يقول: حدثنا، بل يقول: قال فلان، أو عن فلان ونحوه.
- وربما لم يسقط المدلس شيخه لكن يسقط من بعده: رجلاً ضعيفاً أو صغير السنِّ يحسن الحديث بذلك، كفعل الأعمش وسفيان الثوري وغيرهما، وهو مكروه جداً وذمَّه أكثر العلماء، واختلف في قبول روايته، والأصح التفصيل.
- فما رواه بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع، فحكمه حكم المرسل، وأنواعه وما رواه بلفظ مبين؛ كسمعت وأخبرنا وحدثنا وأمثالها محتجٌّ به، وأما في الشيوخ، وهو عن شيخ حدثنا سمعه منه فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يضعفه بما لا يُعرف كيلا يُعرف، وأمره أخف لكن فيه تضييع للمروي عنه وتوعير لطريق معرفة حاله، والكراهة بحسب الغرض الحامل، نحو أن يكون كثير الرواية عنه فلا يجب الإكثار من واحد على صورة واحدة، وقد يحمله عليه كون شيخه الذي غَيَّر سِمَتهُ غير ثقة أو أصغر منه أو غير ذلك.
- المضطرب
- والمضطرب: ما اختلف الرواية فيه، فما اختلف الروايتان إن ترجحت إحداهما على الأخرى بوجه، نحو أن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبه للمروي عنه. فالحكم للراجح فلا يكون مضطربا وإلا فمضطرب.
- المقلوب المقلوب: هو نحو حديث مشهور عن سالم، جعل عن نافع ليصير بذلك غريباً مرغوباً فيه.
- الموضوع الموضوع: الخبر إما أن يجب تصديقه وهو ما نصَّ الأئمة على صِحته، وإما أن يجب تكذيبه وهو ما نصوا على وضعه واختلافه، أو يتوقف فيه لاحتمال الصدق والكذب كسائر الأخبار، ولا يحل رواية الموضوع للعالم بحاله في أي معنى كان إلا مقرونا ببيان الوضع.
- ويُعرَفُ: 1 - بإقرار واضعه.
- 2 - أو يعرف بركاكة الألفاظ.
- 3 - والواضعون أصناف، وأعظمهم ضرراً من انتسب إلى الزهد فوضع احتساباً.
- 4 - ووضعت الزنادقة أيضاً جملاً.
- ثم قامت جهابذة الحديث بكشف عوارها ومحو عارها والحمد للَّه.
- 5 - وقد ذهبت الكراهية والطائفة المبتدعة إلى جواز وضع الحديث في الترغيب والترهيب؛ ومنه ما روي عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم أنه قيل له: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذه الأحاديث حسبة.
- ولقد أخطأ المفسرون في إيداعها في تفاسيرهم إلا من عصمه اللَّه تعالى، ومما أودعوا فيها: أنه قال صلى اللَّه عليه وسلم حين قرأ: (وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخرى) (وَتِلكَ الغَرانيقُ العُلى وَإِنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرتَجى).
- ولقد اشبعنا القول في إبطاله في باب سجدة التلاوة.
- وكذا ما أورده الأصوليون من قوله صلى اللَّه عليه وسلم: (إذا روي الحديث عني فاعرضوه على كتاب اللَّه تعالى، فإن وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردوه).
- قال الخطابي: وضعته الزنادقة ويدفعه قوله صلى اللَّه عليه وسلم: (إني قد أوتيت الكتاب وما يعدله) ويروى: (أوتيت الكتاب ومثله معه).
- وقد صنَّف ابن الجوزي في الموضوعات مجلدات، قال ابن الصلاح: أودع فيها كثيرا من الأحاديث الضعيفة مما لا دليل على وضعه وحقها أن تذكر في الأحاديث الضعيفة.
- وللشيخ الحسن بن محمد الصغاني (الدر الملتقط في تبين الغلط).
- الباب الثاني
- في معرفة أوصاف الرواة ومن تقبل روايته ومن لا تقبل روايته في الجرح والتعديل، وجُوِّز ذلك صيانة للشريعة وبهما يتميز صحيح الحديث وضعيفه فيجب على المتكلم التثبت فيهما. قد أخطأ غير واحد في تجريحهم بما لا يجرح وفيه فصلان.
- الفصل الأول
- في العدالة والضبط فالعدالة: أن يكون الراوي بالغاً مسلماً عاقلاً، سليماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة.
- والضبط: أن يكون الراوي متيقظاً حافظاً غير مغفل ولا ساه، ولا شاك في حالتي التحمُّل والأداء، فإن حدَّث عن حفظه ينبغي كونه حافظاً، وإن حدَّث عن كتابه ينبغي أن يكون ضابطاً له، وإن حدَّث بالمعنى ينبغي أن يكون عالماً بما يختلُّ به المعنى، ولا تشترط الذكورة، ولا الحرية ولا العلم بفقهه ولا بغريبه، والبصر، والعدد وتعرف العدالة بتنصيص عدلين عليها أو بالاستضافة، ويعرف الضبط بأن يعتبر رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط، فإن وافقهم غالباً، وكانت مخالفته نادرة عرف كونه ضابطاً ثبتاً.
- الفصل الثاني ولا تقبل رواية من عُرِفَ بالتساهل
- في السماع والإسماع بالنوم، أو الاشتغال، أو يُحَدِّث لا من أصل مصحَّح، أو يَكثُرُ سهوه إذا لم يحدث من أصل مصحح، أو كثرت الشواذ والمناكير في حديثه، ومن غلط في حديثه فَبيَّن له الغلط وأصر فلم يرجع قيل: تسقط عدالته، قال ابن الصلاح: إذا كان على وجه العناد، وأما إذا كان على وجه التنقير في البحث فلا.
- تذييل: أعرَضَ في هذه الأعصار عن مجموع الشروط المذكورة، واكتفوا من عدالة الراوي بكونه مستوراً ومن ضبطه بوجود سماعه مثبتاً بخطٍّ موثوق به، وبروايته من أصل موافق لأصل شيخه، وذلك لأن الحديث الصحيح أو الحسن وغيرهما قد اجتمعت في كتب أئمة الحديث، فلا يذهب شيء منه عن جميعهم، والقصد بالسماع بقاء السلسلة في الإسناد المخصوص بهذه الأمة.
- الباب الثالث في تَحَمُّل الحديث
- يصحُّ التحمل قبل الاسلام، وكذا قبل البلوغ، فإن الحسن والحُسين وابن عباس وابن الزبير رضي اللَّه عنهم تحملوا قبل البلوغ، ولم يزل الناس يسمعون الصبيان، واختُلِفَ في الزمن الذي يصح فيه السماع من الصبي، وقيل يعتبر كل صغير بحاله، فإذا فهم الخطاب ورد الجواب صحَّحنا، وإن كان دون خمس وإلا لم يصح.
- طرق تحمل الحديث ولتحمل الحديث طرق: الأول: السماع من لفظ الشيخ.
- الثاني: القراءة عليه.
- الثالث: الإجازة: ولها أنواع: 1 - إجازة مُعَيَّن لمُعَيَّن: كأجزتك لكتاب البخاري، أو أجزت فلاناً جميع ما اشتمل عليه فهرستي.
- 2 - إجازة معين في غير معين كأجزتك مسموعاتي أو مروياتي.
- 3 - والعموم.
- والصحيح جواز الرواية بهذه الأقسام.
- 4 - وإجازة المعدوم: كأجزت لمن يولد لفلان، والصحيح المنع، ولو قال: لفلان ولمن يولد له أو لك ولعقبك جاز كالوقف.
- الإجازة للطفل الذي لم يميز صحيحة، لأنها إباحة للرواية والإباحة تصح للعاقل وغيره.
- 5 - وإجازة المُجاز: كأجزت لك ما أجيز لي.
- وتستحب الإجازة إذا كان المجيز والمجاز له من أهل العلم، وينبغي للمجيز بالكتابة أن يتلفظ بها فإن اقتصر على الكتابة صحت.
- الرابع المناولة 1 - وأعلاها ما يُقرن بالإجازة وذلك بأن يدفع إليه أصل سماعه أو فرعاً مقابلاً به، وأن يقول هذا سماعي وروايتي عن فلان أجزت لك روايته ثم يبقيه في يده تمليكاً أو إلى أن ينسخه.
- 2 - ومنها: أن يناول الطالب الشيخ سماعه فيتأمله وهو عارف متيقظ ثم يتناوله الطالب ويقول: هو حديثي أو سماعي فارو.. ويسمى هذا: (عرض المناولة) ولها أقسام أخر.
- الخامس: المكاتبة: وهي أن يكتب الشيخ لغائب أو حاضر بخطبه أو بكتبه له، وهي إما مقترنة بالإجازة كأن يكتب: أجزت لك، أو مجردة عنها، والصحيح جواز الرواية على التقديرين.
- السادس: الإعلام: وهو أن يعلم الشيخ الطالب أن هذا الكتاب روايته من غير أن يقول اروه عني، والأصح أنه لا تجوز روايته لاحتمال أن يكون الشيخ قد عرف فيه خللا فلا يأذن فيه.
- السابع: الوِجادة: من يجد وجد؛ مولد، وهو أن يقف على كتاب بخط شيخ فيه أحاديث ليس له رواية ما فيها، فله أن يقول: وجدت أو قرأت بخط فلان أو في كتاب فلان بخطه، حدثنا فلان، ويسوق باقي الإسناد والمتن، وقد استمر عليه العمل قديماً وحديثاً، وهو من باب المرسل، وفيه شوب من الاتصال، واعلم أن قوماً شددوا وقالوا: لا حجة إلا فيما رواه حفظاً، وقالوا: تجوز الرواية من نسخ غير مقابلة بأصولها.
- والحقُّ أنه إذا قام في التحمُّلِ والضبط والمقابلة بما تقدم جازت الرواية عنه، وكذا إذا غاب عنه الكتاب إذا كان الغالب سلامته من التغيير ولا سيما إذا كان مما لا يخفى عليه تغيير غالباً.
- الباب الرابع
- في أسماء الرجال الصحابي: مسلم رأى النبي صلى اللَّه عليه وسلم، وقال الأصوليون: من طالت مجالسته.
- والتابعي: كل مسلم صحب صحابياً، وقيل من لقيه وهو الأظهر والبحث عن تفاصيل الأسماء والكنى والألقاب والمراتب في العلم والورع لهاتين المرتبتين وما بعدهما يفضي إلى التطويل.
- توفي مالك بالمدينة سنة تسع وسبعين ومائة (179) وولد سنة ثلاث أو إحدى أو أربع أو سبع وتسعين (90) و (3) أو (1) أو (4). وأبو حنيفة ببغداد سنة خمسين ومائة (150) وكان ابن سبعين (70).
- والشافعي بمصر سنة أربع ومائتين (204) وولد سنة خمسين ومائة (150).
- واحمد بن حنبل ببغداد سنة إحدى وأربعين ومائتين (241) وولد سنة أربع وستين ومائة (164).
- والبخاري يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من شوال سنة أربع وسبعين ومائة (174) ومات ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين (256) بقرية من بخارى.
- ومسلم مات بنيسابور سنة إحدى وستين ومائتين (261) وهو ابن خمس وخمسين، وأبو داود مات بالبصرة سنة سبع وسبعين ومائتين (277) والترمذي مات ببلدة ترمذ سنة تسع وسبعين ومائتين (279).
- والنسائي سنة ثلاث وثلاثمائة (303).
- والدارقطني ببغداد سنة خمس وثمانين وثلاثمائة (385).
- والحاكم بنيسابور سنة خمس واربعمائة (405) وولد فيها سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة (321).
- والخطيب ولد في جمادي الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة (392) ومات ببغداد في ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة (463).// جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين
نزل تشريع الطلاق في سورتين علي مرحلتين متتابعتين تاريخيا 1. سورة البقرة في العام 1 أو 2هجري وتوابعه في سورة النساء والاحزاب وبعض المواضع المتفرقة بين سورة البقرة وسورة الطلاق { في الخمسة اعوام الاولي بعد الهجرة} وبيانات قاعدته في هذه المواضع التلفظ بالطلاق ثم الاعتداد استبراءا ثم التسريح. * 2.ثم نزل التشريع الاخير المحكم في العام 6 او7 هجري بترتيب تشريعي معكوس وبعلم الله الباري في سورة الطلاق في العامين السادس6. او السابع7. الهجري فؤمر كل من يريد التطليق عكس موضعي الطلاق بالعدة والعدة بالطلاق .
الثلاثاء، 31 مارس 2026
كتاب : المختصر في أصول الحديث المؤلف : الشريف الجرجاني
كتاب:المُوْقِظَةُ في علم مصطلح الحديث للإمام الحافظ المؤرخ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي
- مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
- كتاب:المُوْقِظَةُ في علم مصطلح الحديث
- للإمام الحافظ المؤرخ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي
- بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه .
- رب زدني علماً ، ووفق يا كريم
- أما بعد ،
- قال الشيخُ الإمامُ العالمُ العلاَّمة ، الرُّحْلةُ المحقَّق ، بحر الفوائد ، ومَعْدِنُ الفرائد ، عُمدةُ الحُفَّاظِ والمحدثين ، وعُدَّةُ الأئمةِ المحقَّقين ، وآخِرُ المجتهدين ، شمسُ الدين محمدُ بن أحمد بنُ عُثمان الذهبيُّ الدمشقي رحمه الله ونفعنا بعلومه وجميع المسلمين :
- 1- الحديثُ الصحيح :
- هو ما دَارَ على عَدْلً مُتْقِنٍ واتَّصَل سَنَدُه . فإن كان مُرسَلاً ففي الاحتجاج به اختلاف .
- وزاد أهلُ الحديث : سلامتَهُ من الشذوذِ والعِلَّة . وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء ، فإنَّ كثيراً من العِلَل يأبَوْنها .
- فالمجُمْعُ على صِحَّتِه إذاً : المتصلُ السالمُ من الشذوذِ والعِلَّة ، وأنْ يكون رُواتُه ذوي ضَبْطٍ وعدالةٍ وعدمِ تدليس .
- فأعلى مراتبِ المجمَع عليه
- مالكُ ، عن نافع ، عن ابن عُمَر .
- أو : منصورٌ، إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبدالله . أو : الزهريٌّ ، عن سالم أبيه .
- أو : أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة .
- ثم بعدَهُ :
- مَعْمَر ، عن هَمَّام ، عن أبي هريرة .
- أو : ابنُ أبي عَرُوبة ، عن قتادة ، عن أنس .
- أو : ابنُ جُرَيج ، عن عطاء ، عن جابر ، وأمثالُه .
- ثم بعدَهُ في المرتبةِ :
- الليثُ ، وزهير ، عن أبي الزُّبير ، عن جابر .
- أو : سِماَكٌ ، عن عكرمة ، عن ابن عباس .
- أو : أبو بكر بن عَيّاش ، عن أبي إسحاق ، عن البَرَاء .
- أو : العلاءُ بن عبدالرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، ونحوُ ذلك من أفراد البخاري أو مسلم .
- 2- الحَسَن :
- وفي تحرير معناه اضطراب ، فقال الخَطَّابيُّ رحمه الله : هو ما عُرِفَ مَخْرجُه واشتَهَر رجالُه ، وعليه مَدارُ أكثرِ الحديث ، وهو الذي يَقبَلُه
- أكثرُ العلماء ، ويَستعملُه عامَّة الفقهاء .(1)
- وهذه عبارةُ ليسَتْ على صِناعة الحدودِ و التعريفات ، إذْ الصحيحُ يَنطَبقُ ذلك عليه أيضاً ، لكنْ مُرادُه مما لم يَبْلُغ درجةَ الصحيح .
- فأقولُ : الحَسَنُ ما ارتَقَى عن درجة الضعيف ، ولم يَبلغ درجةَ الصحة .
- وإن شِئتَ قلت : الحَسَنُ ما سَلِمَ من ضعفِ الرٌّواة . فهو حينئذ داخل في قسم الصحيح .
- وحينئذ ، يكونُ الصحيحُ مراتب كما قدَّمناه ، والحسَنُ ذا رتُبةٍ دُونَ تلك المراتب ، فجاء الحسَنُ مثلاً في آخِرِ مراتب الصحيح .
- وأما الترمذيُّ فهو أوَّلُ من خَصَّ هذا النوع باسم الحَسَن ، وذَكَر أنه يريدُ به : أن يَسلم راويه من أن يكون متهماً ، وأن يَسلم من الشذوذ ، وأن يُروَى نحوهُ من غير وجه .
- وهذا مشكلُ أيضاً على ما يقولُ فيه : حسَنُ غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
- وقيل : الحسَنٌ ما ضَعْفُه محتَمَل ، ويَسوغُ العملُ به .
- وهذا أيضاً ليس مضبوطاً بضابطٍ يَتميَّزُ به الضَّعْفُ المحتمَل .
- وقال ابن الصلاح رحمه الله : (( إنَّ الحسَنَ قَسمان :
- أحدُهما : مالا يخلو سَنَدُه من مستورٍ لم تَتحقَّق أهليتهُ ، لكنه غير
- مُغَفَّل ولا خطَّاءٍ ولا متهم ، ويكون المتنُ مع ذلك عُرِف مثلُه أو نحوُه من
- وجهٍ آخر اعتَضد به .
- وثانيهما : أن يكون راويه مشهوراً بالصدق والأمانة ، لكنه لم
- يبلغ درجةَ رجالِ الصحيح لقصوره عنهم في الحفظ والإتقان ، وهو مع ذلك يرتفع عن حالِ من يُعَدُّ تفرُّدُه منكَراً ، مع عَدَمِ الشذوذِ والعِلِّة ))(2).
- فهذا عليه مؤاخذات .
- وقد قلت لك : إنَّ الحسَنَ ما قَصُرَ سَنَدُه قليلاً عن رتُبة الصحيح . وسيَظهر لك بأمثلة .
- __________
- (1) معالم السنن ( 1 / 11 ) .
- (2) مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح ( 1 / 46 ـ 47 ) .
- ثم لا تَطمَعْ بأنَّ للحسَنَ قاعدةً تندرجُ كلُ الأحاديثِ الحِسانِ فيها ، فأَنَا على إِياسٍ من ذلك ، فكم من حديث تردَّدَ فيه الحُفَّاظُ ، هل هو حسَنُ أو ضعيفُ أو صحيح ؟ بل الحافظُ الواحدُ يتغيَّرُ اجتهادُه في الحديث الواحد ، فيوماً يَصِفُه بالصحة ، ويوماً يَصِفُه بالحُسْن ، ولربما استَضعَفَه .
- وهذا حقٌّ ، فإنَّ الحديثَ الحَسَنَ يَستضعفه الحافظُ عن أن يُرَقِّيَه إلى
- مرتبةُ الصحيح ، فبهذا الاعتبارِ فيه ضَعْفٌ مَّا ، إذْ الحَسَنُ لا ينفك عن ضَعْفٍ مَّا ، ولو انفَكَّ عن ذلك لصَحَّ باتفاق .
- وقولُ الترمذي : ( هذا حديث حسَنُ صحيح ) ، عليهِ إشكال ، بأن الحَسَن قاصِرُ عن الصحيح ففي الجمع بين السَّمْتَيْنِ لحديثٍ واحدٍ مُجاذَبَة .
- وأُجيبَ عن هذا بشيء لا ينَهض أبداً ، وهو أنَّ ذلك راجعٌ إلى
- الإسناد ، فيكون قد رُوي بإسنادٍ حسن ، وبإسنادٍ صحيح . وحينئذ لو قيل : حسن صحيح ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، لبَطَلَ هذا الجواب .
- وحقيقةُ ذلك ـ أن لو كان كذلك ـ أن يقال : حديث حَسنُ وَصحيح . فكيف العَملُ في حديثٍ يقول فيه : حسَنٌ صحيحُ . لا نعرفه إلا من هذا الوجه . فهذا يُبطِلُ قولَ من قال : أن يكون ذلك بإسنادين .
- ويَسُوغُ أن يكون مُرادُه بالحَسَن المعنى اللغويَّ لا الاصطلاحيَّ ، وهو إقبالُ النفوسِ وإصغاءُ الأسماعِ إلى حُسنِ مَتْنِه ، وجِزَالةِ لفظِه ، وما فيه من الثوابِ والخير ، فكثيرُ من المتون النبوية بهذه المثابة .
- قال شيخنا ابنُ وهب : فعلى هذا يَلزمُ إطلاقُ الحَسَنِ على بعضَ
- ( الموضوعات ) ولا قائل بهذا (1).
- ثم قال : فأقولُ : لا يشُتَرَطُ في الحَسَن قيدُ القُصور عن الصحيح ، وإنما جاء القصورُ إذا اقتُصر على ( حديثُ حَسَنُ ) ، فالقصورُ يأتيه من قيدِ الاقتصار ، لا من حيث حقيقتهُ وذاتهُ (2).
- ثم قال : فللرُواةِ صفاتُ تقتضي قبولَ الرواية ، ولتلك الصفاتِ دَرَجَاتٌ بعضُها فوقَ بعض ، كالتيقَّظِ والحفظِ والإتقان .
- فوجودُ الدَّرَجةِ . الدنيا كالصدقِ مثلاً وعَدَمِ التُّهمة ، لا ينافيه وجودُ ما هو أعلى منهُ من الإتقانِ والحفظ . فإذا وُجدتْ الدرجةُ العُلْيا ، لم يُنافِ ذلك وجودُ الدنيا كالحفظ مع الصدق ، فَصحَّ أن يقال :
- ( حسَنٌ ) باعتبار الدنيا ، ( صحيحٌ ) باعتبار العُلْيا .
- ويَلزَمُ على ذلك أن يكون كلُّ صحيحٍ حسناً ، فيُلتَزَمُ ذلك ،
- وعليه عبارات المتقدمين ، فإنهم يقولون فيما صَحَّ : هذا حديثٌ حسن .
- قلتُ : فأعلى مراتب الحَسَن :
- بَهْزُ بن حَكيم ، عن أبيه ، عن جَدَّه .
- و : عَمْرو بن شُعَيب ، عن أبيه ، عن جَدَّه .
- و : محمد بن عَمْرو ، عن أبي سَلَمة ، عن أبي هريرة .
- و: ابنُ إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم التَّيْمِي ، وأمثالُ ذلك .
- وهو قِسمُ مُتجاذَبٌ بين الصحةِ والحُسن ، فإنَّ عِدَّةً من الحُفَّاظ يصححون هذه الطرق ، وينعتونها بأنها من أدنى مراتب الصحيح .
- ثم بعدِ ذلك أمثلةُ كثيرة يُتَنازَعُ فيها ، بعضُهم يُحسَّنونها ، وآخَرُون يُضعِّفونها ، كحديث الحارثِ بن عبدالله ، وعاصم بن ضَمْرة ، وحَجَّاج بن أَرْطَاة ، وخُصَيْف ، ودَرَّاجٍ أبي السَّمْح ، وخلقٍ سِواهم .
- 3-
- الضعيف :
- ما نَقَص عن درجة الحَسَن قليلاً .
- ومن ثَمَّ تُردَّدَ ، في حديثِ أُنَاسٍ ، هل بَلَغ حديثُهم إلى درجةِ الحَسَنِ أم لا ؟.
- وبلا ريبٍ فخَلْقُ كثيرُ من المتوسطين في الرَّوايةِ بهذه المثابة .
- فآخِرُ مراتب الحَسَنِ هي أول مراتب الضَّعيف .
- أعني : الضعيفِ الذي في (( السُّنَن )) وفي كتب الفقهاء ورُواتُه ليسوا بالمتروكين ، كابن لَهِيعَة ، وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم ، وأبي بكر بن
- أبي مريم الحمصي ، وفَرَج بن فَضَالة ، ورِشْدين ، وخلقٍ كثير .
- 4-
- المطروح :
- ما انحطَّ عن رُتبة الضعيف .
- ويُروَى في بعض المسانيد الطِّوال وفي الأجزاء ، وفي (( سنن ابن ماجَهْ )) و (( جامع أبي عيسى ))
- مثلُ عَمْرِو بن شَمِر ، عن جابر الجُعفي ، عن الحَارِث ، عن عليّ .
- وكصَدَقَة الدَّقِيقي ، عن فَرْقَدٍ السَّبَخي ، عن مُرَّةَ الطَّيَب ، عن أبي بكْر.
- وجُوَيْبِر ، عن الضحاك ، عن ابن عباس .
- وحفص بن عُمَر العَدَني ، عن الحكَم بن أبان ، عن عكرمة .
- وأشباهُ ذلك من المتروكين ، والهَلْكَى ، وبعضهم أفضل من بعض .
- 5-
- الموضوع :
- ما كان مَتْنُه مخالفاً للقواعد ، وراويه كذَّاباً ، كالأربعين الوَدْعانيَّة ، وكنسخةِ عليّ الرِّضَا المكذوبةِ عليه .
- وهو مراتب ، منه :
- ما اتفقوا على أنه كَذِب . ويُعرَفُ ذلك بإقرار واضعِه ، وبتجربةِ الكذبِ منه ، ونحوِ ذلك .
- ومنه : ما الأكثرون على أنه موضوع ، والآخَرُون يقولون : هو حديثٌ ساقطٌ مطروح ، ولا نَجسُرُ أن نُسمَّيَه موضوعاً .
- ومنه : ما الجمهورُ على وَهْنِه وسُقوطِه ، والبعضُ على أنه كذِب .
- ولهم في نقد ذلك طُرقُ متعدِّدة ، وإدراكٌ قويٌ تَضِيقُ عنه عباراتُهم ، من جِنسِ ما يُؤتاه الصَّيرفيُّ الِجهْبِذُ في نقدِ الذهب والفضة ، أو الجوهريُّ لنقدِ الجواهرِ والفُصوصِ لتقويمها .
- فلكثرةِ ممارستهِم للألفاظ النبوية إذا جاءهم لفظُ ركيك ، أعني مُخالفِاً للقواعد ، أو ـ فيه ـ المجازفةُ في الترغيب والترهيب ، أو الفضائل ، وكان بإسنادٍ مُظلم ، أو إسنادٍ مُضِيء كالشمس في أثنائه رجلُ كذاب أو وضَّاع ، فيحكمون بأنَّ هذا مختلَق ، ما قاله رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ، وتَتواطأُ أقوالُهم فيه على شيء واحد .
- وقال شيخنا ابنُ دقيق العيد : إقرارُ الراوي بالوضع ، في رَدَّه ، ليس بقاطعٍ في كونه موضوعاً ، لجوازِ أن يَكذب في الإِقرار . (1)
- قلتُ : هذا فيه بعضُ ما فيه ، ونحن لو فتحنا بابَ التجويز والاحتمالِ البعيد ، لوقعنا في الوسوسة والسفسطة !.
- __________
- (1) 1 )
- نعم كثيرٌ من الأحاديث التي وُسِمَتْ بالوضع ، لا دليلَ على وضعها ، كما أنَّ كثيراً من الموضوعاتِ لا نرتابُ في كونها موضوعة .
- 6-
- المرسل :
- عَلَمُ على ما سَقَط ذكرُ الصحابي من إسناده ، فيقول التابعيُّ : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
- ويقع في المراسيل الأنواعُ الخمسةُ الماضية ، فمن صِحاح المراسيل :
- مرسَلُ سعيد بن المسيَّب
- و : مرسَل مسروق .
- و : مرسَلُ الصُّنَابِحِي .
- و : مرسَلُ قيس بن أبي حازم ، ونحوُ ذلك .
- فإنَّ المرسَل إذا صَحَّ إلى تابعيّ كبير ، فهو حُجَّة عند خلق من الفقهاء .
- فإن كان في الرُّوَاةِ ضَعيْفُ إلى مثلِ ابن المسيَّب ، ضَعُفَ الحديثُ من قِبَلِ ذلك الرجل ، وإن كان متروكاً ، أو ساقطاً : وهن الحديثُ وطُرحِ .
- ويوُجَدُ في المراسيل موضوعات .
- نعم وإن صَحَّ الإسنادُ إلى تابعيٍّ متوسِطِ الطبقة ، كمراسيل مجاهد ،
- وإبراهيم ، والشعبي فهو مرسَل جيّد ، لا بأسَ به ، يقَبلُه قومٌ ويَرُدُّه آخَرون .
- ومن أوهى المراسيل عندهم : مراسيلُ الحَسَن .
- وأوهى من ذلك : مراسيلُ الزهري ، و قتادة ، وحُمَيد الطويل ،
- من صغار التابعين .
- وغالبُ المحقَّقين يَعُدُّون مراسيلَ هؤلاء مُعْضَلاتٍ ومنقطِعات ، فإنَّ
- غالبَ رواياتِ هؤلاء عن تابعيٍّ كبير ، عن صحابي ، فالظنُّ بممُرْسِلِه أنه أَسقَطَ من إسنادِه اثنين .
- 7- المُعْضَل :
- هو ما سَقَط من إسنادِه اثنانِ فصاعداً .
- 8 - وكذلك المنقطِع :
- فهذا النوعُ قلَّ من احتَجَّ به .
- وأجوَدُ ذلك ما قال فيه مالكُ : بلَغَنِي أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال : كذا وكذا . فإنَّ مالكاً متثِّبتٌ ، فلعلَّ بلاغاتهِ أقوى من مراسَيل مِثل حُمَيد ، و قتادة .
- 9-
- الموقوف :
- هو ما أُسنِدَ إلى صحابيّ من قولهِ أو فعِله .
- 10- ومُقابِلُهُ
- المرفوع :
- وهو ما نُسِبَ إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من قولِه أو فعلِه .
- 11-
- المتصل :
- ما اتَّصَل سَنَدُه ، وسَلِمَ من الانقطاع ، ويَصدُق ذلك على المرفوع والموقوف .
- 12- المُسْنَد :
- هو ما اتصل سَنَدُه بذكرِ النبي - صلى الله عليه وسلم -.
- وقيل : يَدخُلُ في
- المسند كلُّ ما ذُكِرَ فيه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وإن كان في أثناءِ
- سَنَدِه انقطاع .
- 13-
- الشاذ ّ
- هو ما خالف راويه الثقاتِ ، أو ما انفَرَد به من لا يَحتمِلُ حالُه قبولَ تفرُّدِه .
- 14- المنكَر :
- وهو ما انفرد الراوي الضعيفُ به . وقد يُعَدُّ مُفْرَدُ الصَّدُوقِ منكَراً .
- 15-
- الغريب :
- ضِدُّ المشهور .
- فتارةً ترجعُ غرابتُه إلى المتن ، وتارةً إلى السَّنَد .
- والغريبُ صادقُ على ما صَحَّ ، وعلى ما لم يصحّ ، والتفرُّدُ يكونُ لما انْفَرَدَ به الراوي إسناداً أو متناً ، ويكونُ لما تَفَرَّدَ به عن شيخٍ معيَّن ، كما يقال لم يَروِه عن سفيان إلا ابنُ مَهْدِي ، ولم يَروِه عن ابن جريج إلا ابنُ المبارك .
- 16- المُسَلْسَل :
- ما كان سَنَدُه على صِفةٍ واحدةٍ في طبقاته . كما سُلْسِلَ بسَمِعتُ ،
- أو كما سُلْسِلَ بالأوليَّة إلى سُفْيَان .
- وعامَّة
- المسلسل اتِ واهِية ، وأكثُرها باطِلةٌ ، لكذبِ رُواتها . وأقواها المُسَلْسَلُ بقراءة سُورة الصَّفّ ، والمسلسَلُ بالدمشقيين ، والمسلسَلُ
- بالمصريين ، والمسلسَلُ بالمحمَّدِين إلى ابن شِهاب .
- 17- المُعَنْعن :
- ما إسنادُه فلانُ عن فلان .
- فمن الناس من قال : لا يَثْبُتُ حتى يَصِحَّ لقاءُ الراوي بشيخه يوماً مّا ، ومنهم من اكتَفَى بمجرَّد إمكان اللُّقِيّ ، وهو مذهَبُ مُسْلمِ وقد بالَغَ في الردَ على مخالِفِه .
- ثم بتقدير تَيِقُّن اللقاء ، يُشتَرَطُ أن لا يكون الراوي عن شيخِهِ مُدَلَساً ، فإن لم يكن حملناه على الاتصال ، فإن كان مُدَلّساً ، فالأظهِرُ أنه لا يحمَلُ على السماع .
- ثم إن كان المدلَسُ عن شيخِه ذا تدليسٍ عن الثقات فلا بأس ، وإن
- كان ذا تدليسٍ عن الضعفاءِ فمردود.
- فإذا قال الوليد أو بَقِيَّة : عن الأوزاعي ، فواهٍ ، فإنَّهما يُدلَّسانِ كثيراً عن الهَلْكَى ، ولهذا يَتَّقي أصحابُ ( الصحاح ) حديثَ الوليد ، فما جاء إسنادُه بِصِيغةِ عن ابن جُرَيج ، أو عن الأوزاعي تجنَّبوه .
- وهذا في زماننا يَعْسُرُ نقدُه على المحدِّث ، فإنِّ أولئك الأئمة كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود ، عايَنُوا الأصول ، وعَرَفوا عِلَلَها ، وأمَّا نحن فطالَتْ علينا الأسانيدُ ، وفُقِدَتْ العباراتُ المتيقَّنَة ، وبمثلِ هذا ونحوِه دَخَل الدَّخلُ على الحاكم في تَصَرَُفِهِ في (( المستدرك )) .
- 18- المُدَلَّس :
- ما رواه الرجل عن آخَر ولم يَسمعه منه ، أو لم يُدركه .
- فإن صَرَّح بالاتصال وقال : حدَّثنا ، فهذا كذَّاب ، وإن قال : عن ، احتُمِلَ ذلك ، ونُظِرَ في طبقِتِه هل يُدرِكُ من هو فوقَهُ ؟ فإن كان لَقِيَه فقد قرَّرناه ، وإن لم يكن لَقِيَه فأمكن أن يكون مُعاصِرَه ، فهو محلُّ تردُّد ، وإن لم يُمكِن فمنقطِع ، كقتادة عن أبي هريرة .
- وحُكْمُ ( قال ) : حُكمُ ( عن ) . ولهم في ذلك أغراض :
- فإن كان لو صَرّحَ بمن حَدَّثه عن المسمىَ ، لعُرِفَ ضَعْفُه ، فهذا غَرَضّ مذموم وجِنايةُ على السُّنُّة ، ومن يُعاني ذلك جُرِحَ به ، فإنَّ الدينَ النصيحة .
- وإن فَعَلهُ طَلَباً للعلو فقط ، أو إيهاماً بتكثير الشيوخ ، بأن يُسمَي الشيخَ مرَّةً ويُكَنَّيه أخرى ، وَيَنْسُبَه إلى صَنْعةٍ أو بلدٍ لا يكادُ يُعرَف به ، وأمثالَ ذلك ، كما تقولُ : حدَّثَنا البُخَاريُّ ، وتَقصِدُ به من يُبَخَّرُ الناس ، أو : حدَّثنا عليُّ بما وراءَ النهر ، وتعني به نهراً ، أو حَدَّثنا بزَبِيد ، وتُرِيد موضعاً بقُوص ، أو : حدَّثنا بحَرَّان ، وتُريدُ قريةَ المَرْج ، فهذا مُحْتَمَل ، والوَرَعُ تركُه .
- ومن أمثلة التدليس : الحَسَنُ عن أبي هريرة . وجمهورُهم على أنه منقطع ، لم يَلْقَه . وقد رُوِيَ عن الحَسَنِ قال : حدَّثنا أبو هريرة . فقيل : عَنَى بحَدَّثَنا : أهلَ بلدِه .
- وقد يؤدَّي تدليسُ الأسماء إلى جهالةِ الراوي الثقة ، فيُرَدُّ خبَرُه
- الصحيح . فهذه مَفْسَدَة ، ولكنها في غير (( جامع البخاري )) ونحوِه ، الذي تَقرَّرَ أنَّ موضوعَه للصحاح ، فإنَّ الرجلَ قد قال في (( جامعه )) : حدَّثنا عبدُالله . وأراد به : ابنَ صالح المصري . وقال : حدَّثنا يعقوب . وأراد به : ابنَ كاسِب . وفيهما لِين . وبكل حالٍ : التدليسُ منافٍ للإخلاص ، لما فيه من التزيُّن .
- 19- المضطرب والمُعَلَّل :
- ما رُوي على أوجهٍ مختلِفة ، فَيعتلُّ الحديث .
- فإن كانت العِلّةُ غيرَ مؤثًرة ، بأن يَرويَه الثَّبْتُ على وجهٍ ، ويُخالِفَه واهٍ ، فليس بمَعْلُول . وقد ساق الدارقطنيُّ كثيراً من هذا النمط في (( كتاب العِلَل )) ، فلم يُصِب ، لأنَّ الحُكم للثَّبْت .
- فإن كان الثَّبْتُ أرسَلَه مثلاً ، والواهي وصَلَه ، فلا عبرة بوصلِه لأمرين : لضعفِ راويه ، ولأنه معلولّ بإرسال الثَّبْت له .
- ثم اعلم أنَّ أكثَرَ المتكلَّمِ فيهم ، ما ضعَّفهم الحُفَّاظُ إلا لمخالفتهم للأثبات.
- وإن كان الحديثُ قد رَوَاه الثَّبْتُ بإسناد ، أو وَقَفَه ، أو أَرسَلَه ، ورفقاؤه الأثباتُ يُخالفونه ، فالعبِرةُ بما اجتَمَع عليه الثقات ، فإنَّ الواحد قد يَغلَط . وهنا قد ترجَّع ظهورُ غَلَطِه فلا تعليل ، والعِبرةُ بالجماعة .
- وإن تساوَى العَدَدُ ، واختَلَف الحافظانِ ، ولم يترجَّح الحكمُ لأحِدهما على الآخر ، فهذا الضَّرْبُ يَسوقُ البخاريُّ ومسلمُ الوجهين ِ ـ منه ـ في كتابيهما . وبالأولَى سَوْقُهما لما اختَلَفا في لفظِهِ إذا أمكن
- جَمْعُ معناه .
- ومن أمثلة اختلاف الحافِظَينِ : أن يُسمَيَ أحدُهما في الإسناد ثقةً ، ويُبدِله الآخرُ بثقةٍ آخر أو يقولَ أحدُهما : عن رجل ، ويقولَ الآخرُ : عن فلان ، فيُسميَّ ذلك المبهَمَ ، فهذا لا يَضُرُّ في الصحة .
- فأمَّا إذا اختَلَف جماعةُ فيه ، وأَتَوْا به على أقوالٍ عدًة ، فهذا يُوهِنُ الحديث ، ويَدُلُّ على أنَّ راوِيَه لم يُتقِنه .
- نعم لو حَدَّثَ به على ثلاثِة أوجهٍ تَرجعُ إلى وجهٍ واحد ، فهذا ليس بمُعْتَلّ ، كأن يقولَ مالك : عن الزُّهري ، عن ابن المسَّيب ، عن أبي هريرة . ويقولَ عُقَيلُ : عن الزُّهري ، عن أبي سَلَمة . ويَرويَه ابنُ عيينة ، عن الزهري ، عن سَعِيدٍ وَأبي سَلَمة معاً .
- 20- المُدْرَج :
- هي ألفاظ تقعُ من بعض الرواة ، متصلةً بالمَتْن ، لا يبِينُ للسامع إلا أنها من صُلْبِ الحديث ، ويَدلُّ دليلُ على أنها من لفظِ راوٍ ، بأن يأتيَ الحديثُ من بعضِ الطرق بعبارةٍ تَفْصِلُ هذا من هذا.
- وهذا طريقّ ظنيّ ، فإنْ ضَعُفَ توقَّفْنا أو رجَّحْنا أنها من المتن ،
- ويَبْعُدُ الإدراجُ في وسط المتن ، كما لو قال : (( من مَسَّ أُنْثَيْيِه وذكَرَهُ
- فلْيتوضأ )) .
- وقد صنَّف فيه الخطيب تصنيفاً ، وكثيرُ منه غيرُ مُسلَّم له إدراجُه .
- 21- ألفاظُ الأداء :
- فـ ( حدَّثَنا ) و ( سَمِعتُ ) لِمَا سُمِع من لفظ الشيخ . واصطُلِح
- على أنَّ (حدَّثَني ) لِمَا سَمِعتَ منه وحدَك ، و (حدَّثَنا ) لِمَا سَمِعتَه معَ
- غيرك . وبعضُهم سَوَّغ ( حدَّثَنا ) فيما قراه هو على الشيخ .
- وأما ( أخبَرَنا ) فصادِقةٌ على ما سَمِع من لفظ الشيخ ، أو قرأه هو،
- أو قرأه آخَرُ على الشيخِ وهو يَسمع . فلفظُ ( الإخبار ) أعمُّ من ( التحديث ) .
- و ( أخبرني ) للمنفرِد . وسَوَّى المحققون كمالكٍ والبخاريِّ بين ( حدَّثنا )
- و (أخبِرنا ) و ( سَمِعتُ ) ، والأمرُ في ذلك واسع .
- فأمَّا ( أنبأنا ) و ( أنا ) فكذلك ، لكنها غلَبتْ في عُرف المتأخرين
- على الإجازة . وقولُه تعالى : { قالَتْ من أَنبأَك هذا قال: نَبَّأنيَ العليمُ
- الخبير } . دَالُّ على التَّساوِي . فالحديثُ والخبرُ والنَّبأُ مُترادِفاتُ .
- وأما المغاربة فيُطلقون : ( أخبرَنا ) ، على ما هو إجازةُ ، حتى إنَّ
- بعضهم يُطلقُ في الإجازة ! : ( حدَّثَنا ) . وهذا تدليس . ومن الناس من
- عَدَّ ( قال لنا ) إِجازَةً ومُناوَلةً .
- ومن التدليس أن يقولَ المحدَّثُ عن الشيخ الذي سَمِعَه ، في أماكنَ
- لم يَسمَعْها : قُرِئ على فلان : أخبَرك فلان . فربما فَعَل ذلك الدار قطنيُّ يقولُ : قُرئ على أبي القاسم البغوي : أخبرك فلان . وقال أبو
- نُعَيم : قُرِئ على عبدا لله بن جعفر بن فارس :حدثنا هارون بن سليمان . ومن ذلك ( أخبرنا فلانُ من كتابِه ) ، ورأيت ابنَ مُسَيَّب يفعله .
- وهذا لا ينبغي فإنه تدليس ، والصوابُ قولُك : في كتابه
- ( يراجع هل هنا قطع ) ومن التدليس أن يكون قد حَضَر طِفْلاً على شيخٍ وهو ابُن سنتينِ أو
- ثلاث ، فيقول : أنبأنا فلان ، ولم يقل : وأنا حاضر . فهذا الحضورُ العَرِيُّ
- عن إذنِ المُسْمِع لا يُفيد اتصالاً ، بل هو دون الإجازة ، فإن الإجازة نوعُ
- اتصال عن أئمة .
- وحضورُ ابنِ عامٍ أو عامَيْنَ إذا لم يَقترن بإجازةٍ كلا شيءَ ، إلا أن
- يكون حضورُه على شيخٍ حافظِ أو محدِّثٍ وهو يَفْهَمُ ما يُحدِّثُه ، فيكون
- إقرارُه بكتابةِ اسمِ الطفل بمنزلةِ الإِذن منه له في الرواية .
- ومن صُوَر الأداء : حدَّثَنا حَجَّاجَ بن محمد ، قال : قال ابن جُرَيج.
- فصيغةُ ( قال ) لا تدلُّ على اتصال .
- وقد اغتُفِرَتْ في الصحابة ، كقول الصحابي : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
- فحُكمُها الاتصالُ إذا كان ممن تُيُقِّنَ سَمَاعُه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإن
- كان لم يكن له إلا مُجرَّدُ رُؤْية ، فقولُه : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محمولٌ على
- الإرسال ، كمحمود بن الرَّبِيع ، وأبي أُمَامة بن سَهْل ، وأبي الطُّفَيل ، ومروان .
- وكذلك ( قال ) من التابعي المعروفِ بلقاء ذلك الصحابي ، كقول
- عُروة : قالت عائشة . وكقولِ ابن سيرين : قال أبو هريرةَ ، فحُكمُه
- الاتصال .
- وأرفَعُ من لفظةِ ( قال ) : لفظةُ ( عن ) . وأرفَعُ من ( عن ) : ( أخبرنا ) ،
- و ( ذَكَر لنا ) ، و ( أنبأنا ) . وأرفعُ من ذلك : ( حدَّثَنا ) ، و ( سَمِعتُ ) .
- وأما في اصطلاح المتأخرين فـ( أنبأنا ) ، و ( عن ) ، و ( كَتبَ إلينا )
- واحِدٌ .
- 22-
- المقلوب :
- هو ما رواه الشيخُ بإسنادٍ لم يكن كذلك ، فيَنقلِبُ عليه ويَنُطُّ من
- إسنادِ حديثٍ إلى مَتْنٍ آخَرَ بعدَه . أو : أن يَنقلِبَ عليه اسمُ راوٍ مثْلُ
- ( مُرَّة بن كعب ) بـ (كعب بن مُرَّة ، و (سَعْد بن سِنان ) بـ (سِنَان
- بن سَعْد ) .
- فمن فعَلَ ذلك خطأً فقريب ، ومن تعمَّد ذلك وركَّبَ متناً على
- إسنادٍ ليس له ، فهو سارقُ الحديث ، وهو الذي يقال في حَقَّه : فلانُ
- يَسرِقُ الحديث . ومن ذلك أن يَسِرقَ حديثاً ما سَمِعَه ، فيدَّعِيَ سماعَهُ من
- رجل .
- وإن سَرَق فأَتى بإسنادٍ ضعيفٍ لمتنٍ لم يَثُبت سنَدُه ، فهو أخفُّ
- جُرماً ممن سَرَق حديثاً لم يصحَّ متنُه ، وركَّب له إسناداً صحيحاً ، فإن
- هذا نوع من الوضع والافتراء . فإن كان ذلك في متون الحلال والحرام ،
- فهو أعظمُ إثماً وقد تبوَّأَ بيتاً في جهنم .
- وأمَّا سَرِقَهُ السماع وادَّعاءُ ما لم يَسمع من الكتب والأجزاء ، فهذا
- كذبٌ مجرَّد ، ليس من الكذب على الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، بل من الكذب على
- الشيوخ ، ولن يُفِلحَ من تعاناه ، وقلَّ من سَتَر الله عليه منهم ، فمنهم مَنْ
- يَفتضِحُ في حياتِه ، ومنهم من يَفتَضِحُ بعدَ وفاتِه ، فنسألُ الله السَّتر والعفو.
- فصل لا تُشتَرَطُ العدالةُ حالةَ التحمُّل ، بل حالةَ الأداء ، فيَصِحُّ سماعُهُ
- كافراً وفاجراً وصَبيّاً ، فقد رَوَى جُبَير بن مُطْعِم رضي الله عنه أنه سَمِعَ
- النبيَّ يقرأ في المغرب بـ (الطُّوْر ) . فسَمِعَ ذلك حالَ شِركِه ، ورَوَاه
- مؤمناً .
- واصطلح المحدَّثون على جعلِهم سَمَاعَ ابن خمس سنين : سَمَاعاً ،
- وما دونها : حُضُوراً . واستأنَسُوا بأنَّ محموداً ( عَقَل مَجَّةَّ ) ولا دليلَ فيه .
- والمعتبَرُ فيه إنما هو أهليةُ الفهم والتمييز .
- 1ـ
- مسألة : يَسُوغُ التصرُّفُ في الإسناد بالمعنى إلى صاحب الكتابِ أو
- الجزء . وكرِهَ بعضُهم أن يزيدَ في ألقابِ الرواة في ذلك ، وأن يزيدَ تاريخَ
- سماعِهم ، وبقراءةِ من سَمِعُوا ، لأنه قَدْرُ زائد على المعنى .
- ولا يَسُوغُ إذا وَصَلْتَ إلى الكتاب أو الجزء ، أن تَتصرَّفَ في تغيير
- أسانيدِه ومُتُونِه ، ولهذا قال شيخنا ابنُ وهب : ينبغي أن يُنظَرَ فيه : هل
- يَجبُ ؟ أو هو مُستَحْسَن ؟ وقُوَّى بعضُهم الوجوبَ مع تحويزهم الروايةَ
- بالمعنى ، وقالوا : مالَهُ أن يُغيَّر التصنيفَ . وهذا كلامُ فيه ضعف
- أماَّ إذا نقلنا من ( الجزء ) شيئاً إلى تصانيِفنا وتخارِيجِنا ، فإنه ليس في
- ذلك تغيرٌ للتصنيف الأول .
- قلتُ : ولا يَسُوغُ تغييرُ ذلك إلا في تقطيع حديثٍ ، أو في جَمْعِ
- أحاديثَ مفرَّقةٍ ، إسنادُها واحد ، فيقال فيه : وبِهِ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .
- 2ـ مسألة : تَسمَّحَ بعضُهم أن يقول : سَمِعتُ فلاناً ، فيما قَرَأه عليه ،
- أو يَقرؤُه عليه الغيرُ . وهذا خلافُ الاصطلاح أو من بابِ الروايِة
- بالمعنى ، ومنه قولُ المؤرَّخين : سَمِع فلاناً وفلاناً .
- 3ـ مسألة : إذا أَفرَد حديثاً من مثل نسخة هَمَّام ، أو نسخة أبي مُسْهِر ،
- فإنْ حافَظَ على العبارة جاز وِفاقاً ،كما يقول مسلم : (( فذكَرَ أحاديثَ ،
- منها : وقال رسولُ - صلى الله عليه وسلم - )) وإلا فالمحقَّقون على الترخيصِ في التصريفِ
- السائِغ .
- 4ـ مسألة : اختصارُ الحديث وتقطيعُه جائزُ إذا لم يُخِلَّ معنىً . ومن
- الترخيص تقديمُ مَتْنٍ سَمِعهَ على الإسناد ، وبالعكس ، كأن يقول : قال
- رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : النّدَمُ تَوْبَة ، أخبَرَنا به فلان عن فلان .
- 5ـ مسألة : إذا ساق حديثاً بإسناد ، ثم أَتبعَه بإسنادٍ آخَرَ وقال : مثلُه ،
- فهذا يجوزُ للحافظ المميز للألفاظ ، فإن اختَلَف اللفظُ قال : نحوُه ، أو
- قال : بمعناه أو بنحوٍ منه .
- 6ـ مسألة : إذا قال : حدَّثَنا فلانُ مذاكَرةً ، دَلَّ على وَهْنٍ مَّا ، إذْ
- المذاكرةُ يُتَسمَّحُ فيها.
- ومن التساهل : السَّماعُ من غير مقابلة ، فإن كان كثيرَ الغَلَط لم
- يَجُز ، وإن جَوَّزنا ذلك فيَصِحُّ فيما صَحَّ من الغلط ، دون المغلوط وإن
- نَدَر الغَلَطُ فمُحَتمَل ، لكن لا يجوزُ له فيما بعدُ أن يُحدَّثَ من أصلِ
- شيخِه .
- 23- آدابُ المحدَّث :
- تصحيحُ النيَّةِ من طالب العلم متعيَّن ، فمن طَلَب الحديثَ للمكاثرة
- أو المفاخرة ، أو ليَروِيَ ، أو لِيتناوَلَ الوظائفَ ، أو ليُثْنى عليه وعلى معرفتِه
- فقد خَسِر . وإنْ طلَبَه لله ، وللعمل به ، وللقُربةِ بكثرة الصلاة على نبيه
- - صلى الله عليه وسلم - ، ولنفعِ الناس ، فقد فاز . وإن كانت النيَّةُ ممزوجةُ بالأمرينِ فالحكمُ
- للغالب .
- وإن كان طَلَبَه لفَرْطِ المحبةِ فيه ، مع قطع النظر عن الأجْرِ وعن بني
- آدم ، فهذا كثيراً ماً : يَعتبري طلبةَ العُلُوم ، فلعلَّ النيَّةَ أن يَرزُقَها اللهُ بعدُ .
- وأيضاً فمن طَلَب العلم للآخِرة كَسَاهُ العِلمُ خَشْيَةً لله ، واستَكانَ وتواضَعَ ،
- ومن طلبه للدنيا تكبَّرَ وتجبَّر ، وازدَرَى بالمسلمين العامَّة ، وكان عاقبةُ
- أمرِه إلى سِفَالٍ وحَقَارة .
- فليحتسِب المحدَّثُ بحديثهِ ، رجاءَ الدخولِ في قوله - صلى الله عليه وسلم - : (( نَضَّر الله
- امرءاً سَمِعَ مقالتي فوعاها ، ثم أدَّاها إلى من لم يَسمعها )) .
- ولْيَبْذُلْ نفسَه للطلبةِ الأخيار ، لا سيما إذا تَفرَّد ، ولْيَمْتَنَعْ مع الهَرَمِ
- وتغيَّرِ الذهن ، ولْيَعْهَدَ إلى أهله وإخوانه حالَ صحته : أنكم متى رأيتموني
- تغيَّرتُ ، فامنَعُوني من الرواية .
- فمن تَغيَّرَ بسُوءِ حفظٍ وله أحاديثُ معدودة ، قد أَتقَنَ روايتَها ، فلا
- بأس بتحديِثه بها زمنَ تغيُّره .
- ولا بأس بأن يُجيزَ مروياَّ تِه حالَ تغيُّره ، فإنَّ أصولَه مضبوطةُ ما
- تغيَّرتْ ، وهو فَقَدَ وَعْيَ ما أجاز . فإن اختَلَط وخَرِفَ امتُنِعَ من أخْذِ
- الإجازةِ منه .
- ومن الأدب أن لا يُحدَّثَ مع وجودِ من هو أَولَى منه لِسِنهِّ وإتقانِه .
- بل يَدُلَّهم على المُهِمّ ، فالدَّينُ النصيحة .
- فإنْ دَلَّهم على مُعَمَّرٍ عامِيٍ ، وعَلِمَ قُصورَهم في إقامِة مرويَّاتِ العاميِّ ، نَصَحهم ودَلَّهم على عارفٍ يَسمعون بقراءتهِ ، أو حَضَر مع العاميِّ ورَوَى بنُزولٍ ، جَمْعاً بين الفوائد .
- ورُوي أنَّ مالكاً رحمه الله كان يَغتسِلُ للتحديث ، ويَتبخَّرُ ،
- ويتطيَّبُ ، ويَلبَسُ ثيابَه الحسنة ، ويَلزمُ الوَقارَ والسَّكينة ، ويَزْبُرُ من يَرفعُ صوتَه ، ويُرَتِّلُ الحديث.
- وقد تَسمَّح الناسُ في هذه الأعصار بالإسراع المذموم ، الذي يَخفَى
- معه بعضُ الألفاظ . والسماعُ هكذا لا مِيزةَ له على الإجازةِ ، بل الإجازةُ
- صِدْقّ ، وقولُك : سَمِعتُ أو قرأتُ هذا الجزءَ كلَه ـ مع التَّمْتَمَةِ ودَمْجِ
- بعض الكلمات ـ كَذِبُ .
- وقد قال النَّسائيُّ في عِدَّةِ أماكنَ من (( صحيحه )) : وذَكَرَ كلمةً
- معناها كذا وكذا .
- وكان الحُفَّاظُ يَعقِدون مجالسَ للإملاء ، وهذا قد عُدِمَ اليوم ،
- والسماع بالإملاء يكون مُحقَّقاً ببيانِ الألفاظِ للمُسمِع والسامع .
- ولْيجتنِبْ روايةَ المشكلات ، مما لا تحملُه قلوبُ العامَّة ، فإن رَوَى
- ذلك فليكن في مجالس خاصة . وَيَحرُمُ عليه روايةُ الموضوع ، وروايةُ
- المطروح ، إلا أن يُبيّنَه للناسِ ليَحذّرُوه .
- الثقة :
- تُشتَرَطُ العدالةُ في الراوي كالشاهد ، ويمتازُ الثقةُ بالضبطِ والإتقان ،
- فإن انضاف إلى ذلك المعرفةُ والإكثارُ ، فهو حافظ .
- والحُفَّاظُ طبقات :
- 1ـ في ذِرْوَتِها أبو هريرة رضي الله عنه .
- 2ـ وفي التابعين كابنِ المسيَّب .
- 3ـ وفي صِغارِهم كالزُّهريِّ
- 4ـ وفي أتباعِهم كسفيان ، وشعبة ، ومالك .
- 5ـ ثم ابنِ المبارك ، ويحيى بنِ سعيد ، ووكيع ، وابنِ مهدي .
- 6ـ ثم كأصحابِ هؤلاء ، كابن المَدِيني ، وابنِ مَعِين ، وأحمد ، وإسحاق ،
- وخَلْق .
- 7ـ ثم البخاريِّ ، وأبي زُرْعَة ، وأبي حاتم ، وأبي داود ، ومُسْلِم .
- 8ـ ثم النَّسائيِّ ، وموسى بنِ هارون ، وصالحِ جَزَرَة ، وابنِ خُزَيمة .
- 9ـ ثم ابنِ الشَّرْقي . وممن يُوصَفُ بالحفظ والإتقانِ جماعةُ من الصحابة
- والتابعين .
- 10ـ ثم عُبَيدِ الله بنِ عمر ، وابنِ عَوْن ، ومِسْعَر .
- 11ـ ثم زائدة ، والليثِ ، وحمَّادِ بن زيد .
- 12ـ ثم يزيدُ بنِ هارون ، وأبو أسامة ، وابنُ وهب .
- 13ـ ثم أبو خيثمة ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، وابن نُمَير ، وأحمد بن صالح .
- 14ـ ثم عَبَّاسٌ الدُّوْرِي ، وابنُ وارَهْ ، والترمذيُّ ، وأحمدُ بن أبي خَيْثَمة ،
- وعبدُ الله بن أحمد
- 15ـ ثم ابنُ صاعِد ، وابن زياد النيسابوري ، وابنُ جَوْصَا ، وابنُ الأَخْرَم .
- 16ـ ثم أبو بكر الإسماعيلي ، وابنُ عَدِيّ ، وأبو أحمد الحاكم .
- 17ـ ثم ابنُ منده ، ونحوُه .
- 18ـ ثم الَبرْقَانيُّ ، وأبو حازم العَبْدَوِي .
- 19ـ ثم البيهقيُّ ، وابنُ عبد البَرّ .
- 20ـ ثم الحُمَيدي ، وابنُ طَاهِر .
- 21ـ ثم السِّلَفِيّ ، وابن السَّمْعاني .
- 22ـ ثم عبدالقادر ، والحازمي .
- 23ـ ثم الحافظ الضياء ، وابنُ سيد الناس خطيبُ تونس .
- 24ـ ثم حفيدُه حافظ وقتِه أبو الفتح .
- وممن تقدَّم من الحفاظِ في الطبقةِ الثالثة : عَدَدٌ من الصحابةِ وخلقٌ من
- التابعين وتابعيهم ، وهلُمَّ جراً إلى اليوم .
- 1ـ فمثلُ يحيى القطان ، يقال فيه : إمامُ ، وحُجَّة ، وثَبْت ، وجِهْبِذ ،
- وثِقَةُ ثِقَة .
- 2ـ ثم ثقةُ حافظ .
- 3ـ ثم ثقةُ مُتقن .
- 4ـ ثم ثقةُ عارف ، وحافظُ صدوق ، ونحوُ ذلك .
- فهؤلاء الحُفَّاظُ الثقات ، إذا انفرد الرجلُ منهم من التابعين ، فحديثهُ
- صحيح . وإن كان من الأتباعِ قيل : صحيح غريب . وإن كان من
- أصحاب الأتباع قيل : غريبُ فَرْد .
- ويَنْدُرُ تفرُّدهم ، فتجدُ الإمامَ منهم عندهَ مِئتا ألف حديث ، لا يكادُ
- ينفرد بحديثينِ ثلاثة .
- ومن كان بعدَهم فأين ما يَنفرِدُ به ، ما علمتهُ ، وقد يوُجَد .
- ثم نَنْتَقِلُ إلى اليَقِظ الثقةِ المتوسِطِ المعرفةِ والطلب ، فهو الذي يُطلَقُ
- عليه أنه ثقة ، وهم جُمهورُ رجالِ (( الصحيحين )) فتابِعِيُّهم ، إذا انفَرَد
- بالمَتْن خُرَّج حديثهُ ذلك في ( الصحاح ) .
- وقد يَتوقَّفُ كثيرُ من النُّقاَّد في إطلاق ( الغرابة ) مع ( الصحة ) ،
- في حديثِ أتباعِ الثقات . وقد يُوجَدُ بعضُ ذلك في ( الصحاح ) دون
- بعض .
- وقد يُسمِّي جماعةٌ من الحفاظ الحديثَ الذي ينفرد به مثلُ هُشَيْم ،
- وحفصِ بنِ غِياثٍ : منكراً
- فإن كان المنفرد من طبقة مشيخة الأئمة ، أطلقوا النكارةَ على ما
- انفرد مثلُ عثمان بن أبي شيبة ، وأبي سَلَمة التَّبُوْذَكِي ، وقالوا : هذا منكر.
- فإن رَوَى أحاديثَ من الأفراد المنكرة ، غَمَزُوه وليَّنوا حديثَه ، وتوقفوا
- في توثيقه ، فإن رَجَع عنها وامَتَنع من روايتها ، وجَوَّز على نفسِه الوَهَمَ ،
- فهو خيرُ له وأرجَحُ لعدالته ، وليس من حَدِّ الثقةِ : أنَّهُ لا يَغلَطُ ولا يُخطِئ ،
- فمن الذي يَسلمُ من ذلك غيرُ المعصومِ الذي لا يُقَرُّ على خطأ .
- فصل الثقة : من وثَّقَه كثيرٌ ولم يُضعَّف . ودُونَه : من لم يُوثق ولا ضُعِّف .
- فإن حُرِّج حديثُ هذا في (( الصحيحين )) ، فهو مُوَثَّق بذلك ، وإن
- صَحَّح له مثلُ الترمذيِّ وابنِ خزيمة فجيِّدُ أيضاً ، وإن صَحَّحَ له
- كالدارقطنيِّ والحاكم ، فأقلُّ أحوالهِ : حُسْنُ حديثه .
- وقد اشتَهَر عند طوائف من المتأخرين ، إطلاقُ اسم ( الثقة ) على
- من لم يُجْرَح ، مع ارتفاع الجهالةِ عنه . وهذا يُسمَّى : مستوراً ، ويُسمىَّ :
- محلهُّ الصدق ، ويقال فيه : شيخ .
- وقولهم : ( مجهول ) ، لا يلزمُ منه جهالةُ عينِه ، فإن جُهِلَ عينُه
- وحالُه ، فأَولَى أن لا يَحتجُّوا به .
- وإن كان المنفردُ عنه من كبارِ الأثبات ، فأقوى لحاله ، ويَحتَجُّ بمثلِه
- جماعةٌ كالَّنسائي وابنِ حِباَّن .
- ويَنْبُوعُ معرفةِ ( الثقات ) : تاريخُ البخاريِّ ، وابنِ أبي حاتم ، وابنِ
- حِبَّان ، وكتابُ (( تهذيب الكمال )) .
- فصل
- من أَخرَج له الشيخان على قسمين :
- أحدُهما : ما احتَجَّا به في الأصول . وثانيهما : من خرَّجا له متابعةً
- وشَهادَةً واعتباراً .
- فمن احتَجَّا به أو أحدُهما ، ولم يُوثَّق ، ولا غُمِزَ ، فهو ثقة ، حديُثُه
- قوي .
- ومن احتَجَّا به أو أحدُهما ، وتُكلِّم فيه :
- فتارةً يكون الكلامُ فيه تعنُّتاً ، والجمهورُ على توثيقِه ، فهذا حديثُهُ
- قويّ أيضاً .
- وتارةً يكون الكلامُ في تليينِهِ وحِفظِهِ له اعتبار . فهذا حديثهُ لا يَنحطُّ
- عن مرتبة الحسَن ، التي قد نُسمِّيها : من أدنى درجات ( الصحيح )
- فما في (( الكتابين )) بحمد الله رجلٌ احتَجَّ به البخاريُّ أو مسلمٌ
- في الأصولِ ، ورواياتُه ضعيفة ، بل حَسَنةٌ أو صحيحة .
- ومن خَرَّجَ له البخاريُّ أو مسلمٌ في الشواهد والمتابَعات ، ففيهم من
- في حِفظِه شيء ، وفي توثيِقه تردُّد . فكلُّ من خُرِّجَ له في ((الصحيحين )) ،
- فقد قَفَزَ القَنْطَرة ، فلا مَعْدِلَ عنه إلا ببرهانٍ بَيِّن .
- نعم ، الصحيحُ مراتب ، والثقاتُ طَبَقات ، فليس مَنْ وُثِّق مطلقاً
- كمن تُكلِّمَ فيه ، وليس من تُكلِّم في سُوءِ حفظِه واجتهادِه في الطَّلَب ،
- كمن ضعَّفوه ولا من ضعَّفوه ورَوَوْا له كمن تركوه ، ولا من تركوه
- كمن اتَّهموه وكذَّبوه .
- فالترجيحُ يَدخُلُ عند تعارُضِ الروايات . وحَصْرُ الثقاتِ في مصنَّفٍ
- كالمتعذِّر . وضَبْطُ عَدَدِ المجهولين مستحيل .
- فأمَّا من ضُعِّفَ أو قيل فيه أدنى شيء ، فهذا قد ألَّفتُ فيه مختصراً
- سمَّيتُه بـ (( المغني )) ، وبَسَطتُ فيه مؤلَّفاً سَمَّيتُه بـ ((الميزان )) .
- فصل ومن الثقات الذين لم يُخْرَجْ لهم في (( الصحيحين )) خَلْقٌ ، منهم :
- من صَحَّح لهم الترمذيُّ وابنُ خزيمة ثم : من رَوَى لهم النسائي وابنُ حِبَّان
- وغيرُهما ، ثم : ـ مَنْ ـ لم يُضَعِّفْهم أحد واحتَجَّ هؤلاء المصنِّفون بروايتهم .
- وقد قيل في بعضهم : فلانٌ ثقة ، فلان صدوق ، فلان لا بأس به ،
- فلان ليس به بأس ، فلان محلُّه الصدق ، فلان شيخ ، فلان مستور ، فلان
- رَوَى عنه شعبة ، أو : مالك ، أو : يحيى ، وأمثالُ ذلك . كـ: فُلانٌ حسَنُ
- الحديث ، فلانٌ صالحُ الحديث ، فلانٌ صدوقٌ إن شاء الله .
- فهذه العبارات كلُّها جيَّدة ، ليسَتْ مُضعِّفةً لحالِ الشيخ ، نعم ولا
- مُرَقِّيةً لحديِثه إلى درجة الصِّحَّةِ الكاملةِ المتفَقِ عليها ، لكنْ كثيرٌ ممن ذكرنا
- مُتَجَاذَبٌ بين الاحتجاجِ به وعَدَمِه .
- وقد قيل في جَمَاعاتٍ : ليس بالقويِّ ، واحتُجَّ به . وهذا النَّسائيُّ
- قد قال في عِدَّةٍ : ليس بالقويّ ، ويُخرِجُ لهم في (( كتابه )) ، قال : قولُنا :
- ( ليس بالقوي ) ليس بجَرْحٍ مُفْسِد .
- والكلامُ في الرُّواة يَحتاجُ إلى وَرَعٍ تامّ ، وبَراءةٍ من الهوى والمَيْل ،
- وخِبرةٍ كاملةٍ بالحديثِ وعِلَلِه ، ورجالِه .
- ثم نحن نفتَقِرُ إلى تحرير عباراتِ التعديلِ والجرح وما بين ذلك ، من
- العباراتِ المُتَجَاذَبَة .
- ثم أهَمُّ من ذلك أن نَعلمَ بالا ستقراءِ التامِّ : عُرْفَ ذلك الإمامِ
- الجِهْبِذ ، واصطلاحَه ، ومقاصِدَه ، بعباراتِه الكثيرة .
- أما قولُ البخاري : ( سكتوا عنه ) ، فظاهِرُها أنهم ما تعرَّضوا له
- بجَرْح ولا تعديل ، وعَلِمنا مقصدَه بها بالا ستقراء : أنها بمعنى تركوه .
- وكذا عادَتُه إذا قال : ( فيه نظر ) ، بمعنى أنه متَّهم ، أو ليس بثقة . فهو
- عنده أسْوَأُ حالاً من ( الضعيف ) .
- وبالا ستقراءِ إذا قال أبو حاتم : ( ليس بالقوي ) ، يُريد بها : أنَّ
- هذا الشيخ لم يَبلُغ درَجَة القويِّ الثَّبْت . والبخاريُّ قد يُطلقُ على الشيخ :
- ( ليس بالقوي ) ، ويريد أنه ضعيف .
- ومن ثَمَّ قيل : تجبُ حكايةُ الجرح والتعديل ، فمنهم من نَفَسُهُ حادٌّ في
- الجَرْح ، ومنهم من هو معتدِل ،ومنهم من هو متساهل .
- فالحادُّ فيهم : يحيى بنُ سعيد ، وابنُ معين ، وأبو حاتم ، وابنُ خِراش ،
- وغيرُهم .
- والمعتدلُ فيهم : أحمد بن حنبل ، والبخاري ، وأبو زُرْعَة .
- والمتساهلُ كالترمذيِّ ، والحاكم ، والدارقطنيِّ في بعض الأوقات .
- وقد يكون نَفَسُ الإمام ـ فيما وافَقَ مذهبَه ، أو في حالِ شيخِه ـ
- ألطفَ منه فيما كان بخلاف ذلك . والعِصمةُ للأنبياءِ والصديقين وحُكَّام
- القِسْط .
- ولكنَّ هذا الدين مؤيَّد محفوظ من الله تعالى ، لم يَجتمع علماؤه
- على ضلالة ، لا عَمْداً ولا خطأ ، فلا يَجتمِعُ اثنانِ على توثيقِ ضعيف ،
- ولا على تضعيفِ ثقة ، وإنما يقعُ اختلافُهم في مراتبِ القُوَّةِ أو مراتبِ
- الضعف . والحَاكمُ منهم يَتكلَّمُ بحسبِ اجتهادِهِ وقُوَّةِ مَعارِفِه ، فإن قُدِّرَ
- خطؤه في نقده ، فله أجرٌ واحد ، والله الموفق .
- وهذا فيما إذا تكلَّموا في نقدِ شيخٍ وَرَدَ شيءٌ في حِفظَه وغَلَطِه ،
- فإن كان كلامُهم فيه من جهةِ معتَقَدِه ، فهو على مراتب :
- فمنهم : من بِدْعَتُه غليظة .
- ومنهم : من بِدْعَتُه دون ذلك .
- ومنهم : الداعي إلى بدعتِه .
- ومنهم : الكافُّ ، وما بينَ ذلك .
- فمتى جَمَع الغِلَظَ والدعوةَ تُجُنِّبَ الأخذُ عنه .
- ومتى جِمِع الخِفَّةَ والكفَّ أَخذوا عنه وقَبِلُوه .
- فالغِلَظُ كغُلاةِ الخوارج ، والجهميةِ ، والرافضةِ .
- والخِفَّةُ كالتشيُّع والإِرجاء .
- وأمَّا من استَحلَّ الكذبَ نَصْراً لِرَأْيِه كالخطَّابيَّة فبالأولى رَدُّ حديثهِ .
- قال شيخنا ابنُ وَهْب : العقائدُ أَوجبَتْ تكفيرَ البعضِ للبعض ، أو
- التبديعَ ، وأَوجبَتْ العَصَبِيَّةَ ، ونشأ من ذلك الطعنُ بالتكفيرِ والتبديع ،
- وهو كثير في الطبقة المتوسِّطةِ من المتقدمين .
- والذي تَقرَّرَ عندنا : أنه لا تُعتَبرُ المذاهبُ في الرواية ، ولا نُكفِّرُ أهلَ
- القِبلة ، إلا بإنكارِ مُتواترٍ من الشريعة ، فإذا اعتَبَرْنَا ذلك ، وانضمَّ إليه
- الورَعُ والضبطُ والتقوى فقد حَصَل مُعْتمَدُ الرواية . وهذا مذهبُ
- الشافعي رضي الله عنه ، حيث يقول : أَقبَلُ شهادةَ أهلِ الأهواءِ إلا
- الخَطَّابيَّةَ من الرَّوَافِض .
- قال شيخنا : وهل تُقبَلُ روايةُ المبتدِع فيما يؤيِّدُ به مذهبَه ؟ فمن
- رأى رَدَّ الشهادةِ بالتُّهْمَة ،لم يَقبَل . ومن كان داعيةً مُتَجاهِراً ببدعتِه ،
- فليُترَك إهانةً له ، وإخماداً لمذهبِه ، اللهم إلا أن يكون عنده أثَرٌ تفرَّدَ به ،
- فنُقدَّمُ سَمَاعَهُ منه .
- ينبغي أن تُتَفَقَّدَ حالَ الجارح مع من تَكلَّم فيه ، باعتبار الأهواء فإن لاح
- لك انحرافُ الجارح ووجدتَ توثيقَ المجروح من جهةٍ أخرى ، فلا تَحفِلْ
- بالمنحرِف وبغَمْزِه المبهَم ، وإن لم تجد توثيقَ المغموز فتأَنَّ وترفَّقْ .
- قال شيخُنا ابنُ وَهْب رحمه الله : ومن ذلك : الاختلافُ الواقعُ بين
- المتصوِّفة وأهلِ العلمِ الظاهرِ ، فقد وَقَع بينهم تنافُرٌ أوجَبَ كلامَ بعضِهم
- في بعض .
- وهذه غَمْرَةٌ لا يَخلُصُ منها إلا العالمُ الوَافي بشواهد الشريعة .
- ولا أَحْصُرُ ذلك في العلم بالفروع ، فإنَّ كثيراً من أحوال المُحِقِّينَ من
- الصوفية ، لا يَفِي بتمييزِ حَقِّه من باطِلِه عِلمُ الفروع ، بل لا بُدَّ من معرفةِ
- القواعدِ الأصولية ، والتمييزِ بين الواجبِ والجائز ، والمستحيلِ عقلاً
- والمستحيلِ عادَةً .
- وهو مقامٌ خَطِر ، إذ القادِحُ في مُحِقَّ الصُّوفية ، داخلٌ في حديث
- (( من عادَى لي وَلِيّاً فقد بارَزَني بالمُحارَبة )) . والتارِكُ لإنكارِ الباطلِ مما
- سَمِعَه من بعضِهم تاركٌ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
- ومن ذلك : الكلامُ بسبب الجهل بمراتب العلوم ، فيُحتاجُ إليه في
- المتأخرين أكثَرُ ، فقد انتَشَرَتْ علومٌ للأوائل ، وفيها حَقٌّ كالحسابِ
- والهندسةِ والطِّبٌ ، وباطلّ كالقولِ في الطبيعيَّاتِ وكثيرٍ من الإلهيَّاتِ
- وأحكامِ النجوم .
- فيَحتاجُ القادحُ أن يكون مُميِّزاً بين الحقِّ والباطل ، فلا يُكفِّرَ من
- ليس بكافر ، أو يَقبلَ رواية الكافر .
- ومنه : الخَلَلُ الواقعُ بسببِ عَدَمِ الوَرَعِ والأَْخْذِ بالتوهُّم والقرائنِ
- التي قد تَتخلَّفُ ، قال - صلى الله عليه وسلم - : (( الظَّنُّ أكذَبُ الحديث )) فلا بد من العلم
- والتقوى في الجَرْح ، فلصُعُوبةِ اجتماع هذه الشرائط المزكِّين ، عَظُمَ خَطَرُ
- الجَرْح والتعديل .
- 24ـ المُؤْتلفِ والمختلِف :
- فَنٌّ واسعٌ مهم ، وأهمُّه ما تكرَّر وكَثُر ، وقد يَنْدُرُ كأَجْمَد بن
- عُجْيَان ، وآبِي اللَّحْم ، وابنِ أَتَشٍ الصَّنْعَاني ، ومحمد بن عَبَادَة الواسِطي العِجْلي ، ومحمد بن حُبَّان الباهِلي وشُعَيثِ بن مُحَرَّر . والله أعلم
- تَمَّتْ المقدِّمةُ : الموقظة ، علَّقها لنفسه الفقير إبراهيم بن عمر بن
- حَسَنِ الرَّباطِ الرَّوْحائيُّ في الليلة التي يُسفِرُ صباحُها عن يوم الخميس
- خامِسَ عشر ربيعٍ الأوَّلِى سنة اثنتين وثلاثين وثمانِ مئة ، والحمدُ لله رب
- العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين ، وعلى آله وصحبه أجمعين .. | جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)
من اول ج1. الي اخر ج57. روابط كتاب : المعجم الكبير المؤلف : سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني
أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 ...
-
أقسام الكتاب/ 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 . اول ج21. كتاب : أسد الغابة المؤلف : ابن...
-
أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 .| جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحدي...
-
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : المختصر في أ...